محمد بن جرير الطبري

216

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

استسرارهم الكفر ، مثل إضاءة موقد النار بضوء ناره على ما وصف جل ثناؤه من صفته ، أو كمثل مطر مظلم ودقه ( 1 ) تحدر من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة ، وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه . فإن قال لنا قائل : أخبرنا عن هذين المثلين ، أهما مثلان للمنافقين أو أحدهما ؟ فإن يكونا مثلين للمنافقين فكيف قيل : ( أو كصيب ) ، و " أو " تأتي بمعنى الشك في الكلام ، ولم يقل : وكصيب ، بالواو التي تلحق المثل الثاني بالمثل الأول ؟ أو يكون مثل القوم أحدهما ، فما وجه ذكر الاخر ب‍ " أو " ، وقد علمت أن " أو " إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشك من المخبر فيما أخبر عنه ، كقول القائل : لقيني أخوك أو أبوك ، وإنما لقيه أحدهما ، ولكنه جهل عنين الذي لقيه منهما ، مع علمه أن أحدهما قد لقيه ، وغير جائز في الله جل ثناؤه أن يضاف إليه الشك في شئ أو عزوب علم شئ عنه فيما أخبر أو ترك الخبر عنه ، قيل له : إن الامر في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه ، و " أو " وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشك ، فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدل عليه الواو إما بسابق من الكلام قبلها ، وإما بما يأتي بعدها كقول توبة بن الحمير : وقد زعمت ليلى بأني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن ذلك من توبة على غير وجه الشك فيما قال . ولكن لما كانت " أو " في هذا الموضع دالة على مثل الذي كانت تدل عليه الواو لو كانت مكانها ، وضعها موضعها . وكذلك قول جرير : جاء الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى به موسى على قدر ( 2 ) وكما قال الآخر : فلو كان البكاء يرد شيئا * بكيت على جبير أو عناق على المرأين إذ مضيا جميعا * لشأنهما بحزن واشتياق ( 3 )

--> ( 1 ) الودق : المطر الذي يخرج مسترخيا من خلل السحاب . ( 2 ) رواية الديوان ( ص 205 ) : " نال الخلافة " بدل " جاء " و " إذ كانت " بدل " أو كانت " . من قصيدة في مدح عمر بن عبد العزيز ، أولها : لجت أمامة في لومي وما علمت * عرض السماوة روحاتي ولا بكري ( 3 ) البيتان ذكرهما في اللسان ( مادة عفق ) وروايته : فلو كان البكاء يرد شيئا * بكيت على يزيد أو عفاق هما المرءان إذ ذهبا * جميعا لشأنهما بحزن واحتراق قال ابن بري : البيتان لمتمم بن نويرة ، وصوابه " بكيت على بحير " وهو أخو عفاق ، ويقال : غفاق - بغين معجمة - وهو ابن مليك - ويقال ابن أبي مليك - وهو عبد الله بن الحارث بن عاصم . وكان بسطام بن قيس أغار على بني يربوع عفاقا وقتل بجيرا أخاه بعد قتله عفاقا في العام الأول وأسر أباهما أبا مليك ثم أعتقه وشرط عليه أن لا يغير عليه .